د محمد أعراب
منذ زمن ليس
بالبعيد كنا نتحدث بشيء من الحماس المشوب بالتوجس عن ذلك التحول الذي جعل من العالم
"قرية صغيرة". أما اليوم فقد زاد الأمر تعقيدا إذ أصبح هذا العالم مغلفا
بالمعلومات أو طبقة الإنفوسفير Infosphere أو الغلاف المعلوماتي الذي يؤسس لعالم جديد وفكر مغاير وعلاقات
مختلفة.[1]
قد يرى البعض في ذلك فرصة عظيمة لمستقبلنا. لكن هذا "الإغراق
المعلوماتي"[2] Infoglut لا يخلو من مخاطر تتمثل في
كيفية التعامل مع هذا التدفق المعلوماتي الغزير. وكأننا في حاجة إلى "مناعة
معلوماتية" وليس ممانعة متصلبة لم تعد ممكنة. والواقع أن ما أتينا على ذكره
سابقا من تحديات لم يكن سوى جانب مضيء من الصورة. أما لو أضفنا إلى ذلك مخاطر
الأفكار المتطرفة والمتشددة وآلاف المواقع التي تنبعث منها أبخرة ودخان المعلومات
المشبوهة وغير الممحصة ومئات القنوات التلفزية واليوتوبية ومواقع وشبكات التواصل
الاجتماعي...كل ذلك يغزو العقول على مدار الساعة مما يضعنا أمام مشكلة حقيقية
وملحة. في ظل هذه التحولات المتسارعة يطرح سؤال موقع المدرسة لمواكبة المستجدات
وتأمين تعليم في مستوى التحديات. بل إن المدرسة أو التعليم هما الرهان الحقيقي
والتذكرة الذهبية للمرور إلى مستقبل آمن ومشرق[3].
وفي هذا
الصدد يشكل التفكير النقدي أحد أهم الأدوات[4]
والأسلحة الضرورية للحماية من التلوث المعلوماتي. ولا غرو أن أصبح التفكير النقدي
أحد أهم المفاهيم المركزية في البرامج التعليمية المعاصرة وبالأخص في المجتمعات
المتقدمة. إذ أكدت مجموعة من الدراسات والتقارير الدولية أن اكساب المتعلمين
مهارات التفكير النقدي أصبح أحد أهم الأولويات والأهداف الإستراتيجية لمواجهة
تحديات العالم المعاصر واستشراف المستقبل. ولا يقتصر الأمر على تلاميذ مرحلة معينة
أو تخصص معين، بل تم إدماج التفكير النقدي في كل الأسلاك التعليمية في التجارب
التعليمية الرائدة بدءا من التعليم الأولي إلى التعليم الجامعي
كأمريكا وكندا وفنلندا وسنغافورة وغيرها. والأكثر من ذلك أنه جرى تعميم هذه
المهارات في كل الميادين بما فيها الإعلام، الاقتصاد، تسيير المقاولات، الطب، الأمن
والجيش[5]...
الخلفيات
والمرجعيات:
في سنة 1983م
صدر تقرير في الولايات المتحدة الأمريكية أعدته اللجنة الوطنية الخاصة بالتفوق في
المدرسة (NCEE) بعنوان "أمة في خطر: ضرورة إصلاح عاجل
لنظام التعليم". وصف التقرير الوضع التعليمي بأنه " لو حاولت جهة معادية
لأمريكا الوصول بنتائج التحصيل الدراسي إلى ما وصلت إليه سيعتبر ذلك اعتداءا
بمثابة إعلان الحرب. في حين أننا لم نفعل شيئا لمنع ذلك."[6] وكانت الهيئة الوطنية
لتقويم التقدم الدراسي (National Assessment of Educational
Progress) قد
أجرت عشرات ألآلاف من الاختبارات بين صفوف تلاميذ مرحلة الإعدادي والثانوي بين
عامي 1970 و 1980 فدقت ناقوس الخطر جراء المستوي المتدني والآخذ في الانخفاض. وقد
لوحظ من خلال هذه الاختبارات فشل التلاميذ في القدرة على استنباط مضمون النص قدم
لهم. وقليل منهم من استطاع التفاعل الإيجابي مع النص. وأكبر النتائج المخيبة هو
تدني القدرة على تحليل النصوص. كما أن إجابات التلاميذ كانت ،في أغلبها، خارج
السياق. وعندما كان يطلب منهم تبرير الأجوبة كان العجز عن تبرير وجهات نظرهم باديا
للعيان. فضلا عن غياب استراتيجيات واضحة لحل المشكلات والقدرة على التفكير النقدي.[7]
أجرى أحد الباحثين (Jhon I
Goodlad) في
ذلك الوقت دراسة على 1016 فصل دراسي لمعرفة أسباب تلك النتائج المخيبة. فسجّل
الملاحظات التالية:
- أن أسئلة الأساتذة والكتب المدرسية تدور حول موضوعات الوقائع والأحداث لا تتطلب سوى أجوبة وقائعيةréponses factuelles .
- ضعف حافزية وقلة مبادرة التلاميذ؛
- عدم القدرة على التحليل الجيد للنصوص: يقرؤون مقتطفات قصيرة من النصوص، يكتبون إجابات مختصرة ويجيبون عن أسئلة اختيار من متعدد QCM. لكن نادرا ما يعبرون عن مبادرة لمشروع خاص، أو كتابة نص من إنتاجهم.
- يجدون صعوبات في النفاذ إلى معاني النصوص، ولا يُجيدون مناقشة حجاج النص، كما سجل ضعف الروح النقدية؛
- غياب العمل الجماعي: إذ لا ينخرطون في المشروعات التي تتطلب التعاون فيما بينهم.[8]
في الأخير
توصلت دراسة "كودلاد" Goodlad إلى ضرورة إدماج "مجموعة من المهارات والقدرات الذهنية
المعقدة في البرامج التعليمية من قبيل: القدرة على حل المشكلات، تطبيق مبادئ
المنطق، توظيف إجراءات منهجية البحث. باختصار تطوير فكر مستقل قادر على بناء أحكام
واتخاذ قرارات في مختلف الظروف."[9]
في تلك
الفترة ظهرت صنافة بلوم la taxinomie de Bloom (1954)، وظهر اختبار كلاسر- واطسن test
Watson-Glaser لتقويم التفكير النقدي. وكان الفيلسوف الأمريكي
جون ديويDewey John (1859م-1952م)
قد كتب كتابه الشهير How we Think
"كيف نفكر" لفائدة التلاميذ والأطر التربوية لتنمية ما أسماه في مقدمة
الكتاب "الفكر العلمي" أو "الفكر
التأملي" Reflective
Thougth في الفصل الأول.[10]
داعيا إلى ضرورة حرص المدرسة على تغيير مناهجها لتنمية الفكر العلمي- التأملي.
تحديد المفهوم:
بداية لا بد
من التمييز بين المعنى العام والمعنى الخاص للتفكير النقدي. صحيح أن الفكر النقدي
ليس وليد اليوم أو الأمس القريب، بل هو فاعلية ذهنية ونشاط أساسي في بنية التفكير
الإنساني. وصحيح أيضا أن الفكر النقدي هو أحد المبادئ الأساسية في التفكير الفلسفي
(الفلسفة مرجعية أساسية للتفكير النقدي كما سنرى). فضلا عن كون النقد يشكل عنصرا
منهجيا في مجموعة من العلوم والحقول المعرفية كالنقد التاريخي والنقد الأدبي
والنقد الفني والسياسي. لكن التفكير النقدي تطور، ومافتئ يتطور، ليشكل مجالا خاصا
لمهارات معقدة تنطوي على قدرات فرعية دقيقة قابلة للنقل والتدريس في البرامج التعلمية.
يعرّف "إدوارد
كليسر" Edward Glaser،
الذي ساهم في وضع أشهر اختبارات التفكير النقدي Watson-Glaser
Thinking Appraisal، يعرّف التفكير النقدي
بكونه : " أولا، الميل إلى التفكير العميق في المشاكل والمواضيع التي ترد ضمن
مجال خبرة المرء؛ ثانيا، الإحاطة بنهج منطق الأسئلة وتعليلها؛ ثالثا، بعض المهارة
في تطبيق هذا النهج. ويدعو التفكير الناقد إلى بذل جهد مستمر لتفحص أي اعتقاد أو
أي شكل مفترض من المعرفة في ضوء الدليل الذي يدعم ذلك الاعتقاد واستنتاجات أخرى
تنتج عنه."[11]
وعرفه
"روبرت إنس" Rebert Ennis أحد
مطوري هذا المجال: " التفكير الناقد تفكير منطقي، تأملي، يرتكز على اتخاذ
قرار عما يجب اعتقاده أو عمله."[12]
أما
"ريتشارد بول" Richard Paul فقد
قال عنه: " التفكير الناقد هو تفكير في أي موضوع، أو مشكلة، حيث يُحسـن
المفكر نوع تفكيره بعنايته الماهرة ببنية التفكير الموروث وتطبيق معايير عقلية
عليه."[13]
يبقى أن أشهر
تعريف للتفكير النقدي هو ما جاء في تقرير دلفي[14]
The Delphi Report وهو
حصيلة عمل لجنة ضمت خبراء من أمريكا وكندا في مختلف التخصصات العلمية. وقد صدر
التقرير سنة 1990م تحت عنوان: "التفكير النقدي: بيان إجماع الخبراء من أجل
أغراض التقييم التربوي والتعليم." جاء فيه: "نحن نفهم التفكير النقدي
على أنه حكم متأني منظم لذاته، الذي هو نتيجة تأويل، تحليل، تقويم، استنباط، وكذا
تفسير للاعتبارات الظاهرة، التصورية، المنهجية، المعيارية أو السياقية التي يتأسس
عليها ذلك الحكم. التفكير النقدي، بشكل جوهري، هو أداة بحث. كما أنه قوة مُحررة في
التربية والتعليم ومورد قوي في الحياة الشخصية والمدنية للشخص." كما وصف
التقرير التفكير النقدي بأنه ظاهرة إنسانية مستدامة وأداة للإصلاح الذاتي. والمفكر
النقدي المثالي هو " شخص متعود على البحث، مطلع، يثق في عقله، منفتح، مرن،
نزيه، منصف في مواجهة نزعاته، حذر في أحكامه، يعيد النظر في تفكيره، واضح تجاه
القضايا، منظم في المسائل المعقدة، مجتهد، عقلاني في اختيار المعايير، يركز على
البحث والتقصي."[15]
يتضح من خلال التعاريف السابقة:
· أن التفكير
النقدي جاء استجابة لضرورة تربوية ومأزق تعليمي يتمثل في تدني مستوى التلاميذ.
· أن
التقارير شخصت مشكلة التعليم، آنئذ، في التركيز على التلقين وأن الطلاب تنقصهم
المهارات العقلية العليا.
· أن التفكير
النقدي أساسا هو "تفكير في التفكير". أو هو التفكير المصاحب لجميع
العمليات الفكرية التي نبني من خلالها الأحكام ونتخذ بها القرارات ونفسر بها
الموضوعات.
· يعتبر
البعض التفكير النقدي بمثابة معرفة المعرفة أو ما وراء المعرفة Metacognition .
· أن التفكير
النقدي صار كفاية أكاديمية ضرورية تدخل ضمن البرامج التعليمية. بل إن المدارس
والجامعات في امريكا تعتمد، في قبول الطلاب، اختبارات التفكير النقدي (Scholastic Aptitude Test:SAT) أكثر من نقط التحصيل الدراسي.
· أن التفكير
النقدي لا ينحصر في العملية التربوية التعليمية، بل هو إعداد التلاميذ والطلاب
لمواجهة مشكلات الحياة وتحولات العصر. فهو تدريب وتأهيل الطلاب لصياغة نموذجهم الفكري
القائم على استقلالية الفكر والقرار على أساس رؤية عقلانية واضحة.
أشرنا سابقا إلى أن التفكير
النقدي ليس مهارة واحدة ومنفصلة بقدرما هو كفاية تتضمن مجموعة من المهارات
النواتية التي تنطوي بدورها على قدرات فرعية متشعبة. وقد حدد "بيتر
فاسيون" Peter A Facione (الذي
أشرف على تقرير دلفي السابق) المهارات النواتية للتفكير النقدي في ست مهارات هي[16]:
· التأويل Interpretation: ويعرفها تقرير الخبراء
بأنها "القدرة على الفهم والتعبير عن
المعنى أو الدلالة الواسعة والمتنوعة للخبرات، المواقف، المعطيات، الأحداث،
الأحكام، الأعراف، الاعتقادات، القواعد، الإجراءات أو المعايير." وتضم المهارات الفرعية التالية:
- القدرة على
التصنيف Categorization
- فك شفرة
الدلالة Decoding Signification
- توضيح
المعنى Clarifying Meaning
· التحليل Analysis: يقصد به "تحديد
العلاقة الاستدلالية الفعلية والقصدية داخل التقريرات، الأسئلة، المفاهيم،
التوصيف، أو أي أشكال أخرى من التمثلات التي تقصد التعبير عن الاعتقادات، الأحكام،
التجارب، التبريرات، المعلومات أو الآراء." وتضم المهارات الفرعية التالية:
-
اختبار
الأفكار Examining Ideas
-
تحديد
الحجج Identifying Arguments
-
تحليل
الحجج Analysing
Arguments
· التقويم Evaluation[17]. يراد به " تقييم مصداقية التقريرات أو التمثلات التي تعلل أو
تصف تصور شخص ما أو إدراكه، تجربته، موقفه، حكمه، اعتقاده أو رأيه. كما تقيم مدى
القوة المنطقية للعلاقات الاستدلالية
والقصدية الثاوية في تقريره، توصيفه، أسئلته، أو أي شكل من تمثلاته." وتتفرع
هذه المهارة إلى مهارتين فرعيتين هما:
- تقييم
الادعاءات Assessing Claims
- تقييم
الحجج Assessing Arguments
· الاستدلال Inference. ويدل على "تحديد
وتأمين العناصر اللازمة للوصول إلى استنتاجات عقلية؛ افتراض الفرضيات وتخمين
الحدوس؛ تدبر المعلومات الملائمة ومعالجة النتائج المترتبة عن المعطيت، التقريرات،
المبادئ، البداهات، الأحكام، الاعتقادات، الآراء، المفاهيم، التوصيفات، الأسئلة أو
أي شكل آخر من التمثلات." تضم هذه المهارة المهارات الفرعية التالية:
- مساءلة
البداهات Querying Evidence
- تخمين
البدائل Conjecturing
Alternatives
- الاستنتاج Drawing Conclusions
· التفسير Explanation. معناه هنا "بسط
وتعليل الاستدلال في عبارات واضحة، مفاهيمية، منهجية، معيارية، واعتبارات سياقية
التي تأسست عليها نتائج المرء؛ وأن يقدم الشخص
حجاجه بشكل مقنع." بدورها تضم هذه المهارة المهارات الفرعية التالية:
- تقرير
النتائج Stating Results
- تبرير
الإجراءات Justifying Procedures
- تقديم
الحجج Presenting Arguments
· الضبط
الذاتي Self-Regulation.
يقصد بها "الوعي الذاتي بضرورة مراقبة الشخص لنشاطاته الذهنية ونتائجه المستنبطة،
خصوصا تطبيق مهارتي التحليل والتقويم في استنتاج الأحكام بالنظر إلى مساءلة، تأكيد، تصديق أو تصحيح
المرء لحجاجه أو نتائجه." وتضم مهارتين فرعيتين هما:
- الاختبار
الذاتي Self-examination
- التصحيح
الذاتي Self-correction
معايير التفكير النقدي:
لقد وضعت
مجموعة من المعايير (التي هي بمثابة بطاقة واصفة لمخرجات تعليم التفكير النقدي) وتتمثل
في[18]:
§ الوضوح (Clarity): أن يتمتع المرء بقدرة
عالية من الوضوح وقابلية الفهم والقدرة على التعبير عن أفكاره وتوضيحها مع إيراد
الأمثلة الشارحة.
§ الضبط (َAccuracy): ضبط المعلومات وتوثيقها
مع أدلتها وبراهينها.
§ الدقة (Precision): أن تكون طريقة معالجة
الموضوعات دقيقة.
§ الملاءمة (Relevance): أن تترابط العناصر
والأفكار بشكل ملائم مع الموضوع أو المشكلة.
§ العمق (Depth): أن تكون طريقة معالجة الموضوع عميقة وغير
مختزلة أو سطحية أو ضحلة.
§ الاتساع (Breadth) : ينبغي أن تكون المعالجة
ذات رؤية شمولية ومحيطة بعناصر المشكلة وتنم عن سعة الاطلاع.
§ المنطق (Logic): أن تنتظم الأفكار وفق معايير المنطق
والاتساق والتسلسل، بحيث تؤدي المقدمات إلى نتائج منطقية واضحة.
§ الدلالة
والأهمية (Significance): أن
يقدر الشخص درجة أهمية الموضوع بالمقارنة مع موضوعات أو مشكلات أو مواقف
أخرى.
تعليم التفكير النقدي:
لا شك أن مسألة تدريس
مهارات التفكير النقدي أصبحت جزءا أساسيا في المناهج المعاصرة، مثل: فنلندا،
أمريكا، كندا، اليابان، سنغافورا وغيرها من البلدان المتقدمة في مجال التعليم. كما
أن التقارير الدولية حول التعليم ما فتئت تنبه إلى ضرورة تعليم التفكير النقدي في
كل مستويات التعليم. لكن هل يمكن تدريس التفكير النقدي؟ وإذا كان ممكنا فكيف ذلك
وبأية طريقة وبأي منهج؟
لا شك أن تدريس التفكير
النقدي يطرح صعوبات جمة. ولكن يمكن التغلب عليها إذا توفرت الإرادة الجادة
والشجاعة اللازمة. وقد أصبح من شبه الأكيد قابلية التفكير النقدي للتعلم والنقل.
وهذا معناه: أولا، أن بوسع أي شخص يتوفر على الرغبة والاستعدادThe Disposition تعلم مهارات التفكير النقدي. ثانيا، بوسع كل من
تعلم هذه المهارات في مجال ما أن ينقلها إلى أي مجال آخر.
يمكن تدريس التفكير النقدي إما[19]:
§ من خلال المنهاج الدراسي[20]. وذلك إما:
- بتخصيص
مادة دراسية خاصة بتعلم مهارات التفكير النقدي. (وهذا مستبعد نظرا لتكلفته المادية
بتوفير أطر تعليمية وتكوينها وتأطيرها وصياغة الوسائل والأدوات التعليمية ...)
- أو بدمجها في مادة أو مواد دراسية قريبة معرفيا ومنهجيا.
§ وإما تعليم التفكير النقدي كمجزوءة مستقلة وخارج المنهاج. لكن من شأن ذلك أن يفقدها المصداقية والضبط والجدية من طرف المتعلمين[21].
يبقى أن أقرب
مقاربة هي تدريس التفكير النقدي داخل المواد الدراسية. ولا شك أن كل التخصصات
والمواد الدراسية لها دورها ومساهمتها في تنمية مهارات التفكير النقدي، لكن تبقى
الفلسفة هي المؤهلة أكثر من غيرها لتعليم وتنمية وتعميق التفكير النقدي لاعتبارات
موضوعية:
-أولا: تمثل
الفلسفة المرجعية الفكرية والمنهجية الأساسية للتفكير النقدي. خصوصا تجربة سقراط
ومنهج ديكارت. بل إن التفكير النقدي ليس سوى تطوير لأسس التفكير الفلسفي.
-ثانيا:
أواصر القرابة والنسب بين التفكير النقدي والحجاج[22].
فمن المعلوم أن التفكير النقدي يدين بالشيء الكثير للمنطق الطبيعي (غير الصوري)
والحجاج عموما. حتى أن الاختبارات الشائعة للتفكير النقدي ترتكز أسئلتها حول صحة القضايا
والجمل من الناحية المنطقية.
-ثالثا: المداخل
الممكنة لتعليم وتنمية التفكير النقدي تتراوح بين تعليم طرح الأسئلة أو النقد أو
التحليل أو الحوار السقراطي[23]
أو المناقشة...وكلها مهارات لا يخفى بُعدها الفلسفي.
-رابعا: أن
البعد المنهجي والمهاري هو جوهر تعليم الفلسفة. فكما قال كانط: المهم تعلم التفلسف
وليس الفلسفة. وبعبارة أوضح: تعليم التفكير وليس تلقين الأفكار.
-خامسا: أن
الغرض من تعليم التفكير النقدي ليس تطبيقه [بشكل تقني] على المواد الدراسية فقط،
بل جعله رؤية فكرية ملازمة للمتعلم خارج أسوار المدرسة حتى تصير جزءا من تكوين
الشخص.
لكن علينا ألا ننسى أن تدريس
مادة الفلسفة مقتصر على المستوى الثانوي التأهيلي. فهل على التلميذ أن ينتظر حتى
يصل إلى ذلك المستوى ليتعرف على التفكير النقدي. ثم إن الفلسفة بعد مرحلة التأهيلي
تختفي في جل التخصصات. في حين أن المطلوب، وذلك ما أوصت به التقارير الدولية، أن
يستأنس التلميذ وأن يتعرف ويتمرن على التفكير النقدي منذ سنواته الأولى في المدرسة
حتى تصير أداة من أدوات تفكيره[24].
خلاصات:
· جاء التفكير النقدي استجابة لضرورة
تربوية ومأزق تعليمي يتمثل في تدني مستوى التلاميذ.
· شخصت التقارير مشكلة التعليم، في التركيز
على التلقين وفي نقص المهارات العقلية العليا لدى الطلاب.
· إن التفكير النقدي أساسا هو "تفكير
في التفكير". أو هو التفكير المصاحب لجميع العمليات الفكرية التي نبني من
خلالها الأحكام ونتخذ بها القرارات ونفسر بها الموضوعات.
· يعتبر البعض التفكير النقدي بمثابة معرفة
المعرفة أو ما وراء المعرفة Métacognition.
· صار التفكير النقدي كفاية أكاديمية
ضرورية تدخل ضمن البرامج التعليمية. بل إن المدارس والجامعات في امريكا تعتمد، في
قبول الطلاب، اختبارات التفكير النقدي (Scholastic
Aptitude Test:SAT)
أكثر من نقط التحصيل الدراسي.
· لا ينحصر التفكير النقدي في العملية
التربوية التعليمية، بل هو إعداد التلاميذ والطلاب لمواجهة مشكلات الحياة وتحولات
العصر. فهو تدريب وتأهيل الطلاب لصياغة نموذجهم الفكري القائم على استقلالية الفكر
والقرار على أساس رؤية عقلانية واضحة.
تبقى الإشارة إلى ضرورة تعليم التفكير
النقدي داخل وضعيات ومواقف ومشكلات تدفع المتعلم إلى تشغيل كل قدراته ونشاطاته
الذهنية ويستثمر كل معارفه من أجل تحليل الوضعيات وافتراض الفرضيات...ولعل التفكير
النقدي لا ينفك عن الوضعية-المشكل وعن حل المشكلات في أفق بناء التفكير الإبداعي Thinking Creative.
المراجع بالعربية:
·
البنك الدولي. نونبر 2018 . التقرير
الرئيس للتعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. توقعات وتطلعات: إطار جديد
للتعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. مكان غير معروف : البنك الدولي،
نونبر 2018 .
·
آلك فشر. 2009م. التفكير الناقد تعريب د. ياسر العيتي. الرياض :
دار السيد للنشر والتوزيع، 2009م. ISBN: 978-603-900076-0-9.
·
حسان الباهي. 2013. الحوار ومنهجية التفكير النقدي. الدار
البيضاء : أفرقيا الشرق، 2013.
·
عدنان يوسف العتوم. 2012. علم النفس المعرفي. عمان : دار المسيرة،
2012.
·
لوتشيانو فلوريدي ترجمة لؤي عبد المجيد السيد. سبتمبر
2017. الثورة الرابعة
كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني. الكويت : عالم
المعرفة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سبتمبر 2017. العدد 452.
باللغات الأجنبية:
·
Bill, Yang
& Newby &. 2005. Using Socratic Questioning to Promote Critical
Thinking. THE AMERICAN JOURNAL OF DISTANCE EDUCATION. 2005, Vol. 19,
3.
·
Dewey, John. 1910. How we Think.
Chicago : D. C. Heath and CO, 1910.
·
Facione, Dr Peter A. 1990. Critical
Thinking: A Statement of Expert Consesus for Purposes of Educational
Assessement and Instruction. California : Insight Assessement, 1990.
·
Facione, Peter A. 2015. Critical
Thinking: What it is and Why it Counts. Insight Assessement. [En
ligne] 2015. [Citation : 11 11 2018.] http://www.measuredreasons.com.
·
J Hoaglund, traduction Christian Plantin. 1990. L'enseignement de la pennsée critique aux
Etats-Unis. Linx. 1990, N°22, PP 81-103.
·
Williams, Colonel Thomas M.
2013. Education for Critikal Thinking. MILITARY REVIEW. 2013,
January-february.
[1] لوتشيانو فلوريدي: الثورة الرابعة، كيف يعيد
الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني، ترجمة لؤي عبد المجيد السيد، سلسلة عالم
المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 452 سبتمبر 2017. ص
11
[2]
المرجع السابق ص 38
[3]
بيرني ترلينج، تشارلز فادل: مهارات القرن الواحد والعشرين، التعلم للحياة في
زمننا. ترجمة بدر بن عبد الله صالح، جامعة الملك سعود، 2013م، ص 152
[4]أوصى تقرير البنك
الدولي الأخير الخاص بالتعليم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ضرورة التركيز على
مهارات التفكير النقدي. أنظر: التقرير الرئيس في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
توقعات وتطلعات، إطار جديد للتعليم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. الملخص
التنفيذي نونبر2018. ص 3 "فإن المناهج عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
تعتمد بشدة على الحفظ التلقيني، بحيث لا يترك سوى وقتا ضئيلا لتنمية مهارات
التفكير النقدي."
[5] Williams
Thomas: "Education for Critical
Thinking"
Military Review (January-february 2013) pp 49-54
[6]
[7]
المرجع السابق، ص 85-86
[8]
نفس المرجع، ص 86. كانت هذه الفقرة شبه ترجمة للنص. وقد أطلت في هذه النقطة لصلتها
بواقعنا التعليمي اليوم...
[9]
نفس المرجع، نفس الصفحة.
[10]
[11] آلك فيشر، التفكير الناقد، تعريب د. ياسر العيتي، دار السيد للنشر
والتوزيع، الرياض، 2009م، ISBN : 978-603-900076-0-9 . ص 16
[12]
المرجع السابق ص 17
[13]
نفس المرجع ص 18
[14] (Facione,
1990) Critical Thinking: A
Statement of Expert Consensus for Purposes of Educational Assessment and Instruction.
Insight Assessement. California. 1990. يمكن الإطلاع على هذا
التقربر من خلال الرابط التالي: http://www.insightassessment.com
[15] المرجع السابق، ص 2
[16] (Facione,
2015) Critical Thinking: What it is and Why it Counts. P 9
يمكن الإطلاع
على المقال من خلال الرابط التالي :
http://www.measuredreasons.com
كل التعريفات
الخاصة بالمهارات النواتية هي من إجماع تقرير الخبراء المشار إليه سابقا فلا حاجة
إلى تكرار الإحالة. كما أن التقرير يضم شرحا مفصلا لكل المهارات الفرعية. وقد
أضربنا عنها لعدم اتساع المجال ومخافة الإطالة.
[17]
يلاحظ اختلاف في ترتيب المهارات النواتية بين تقرير دلفي وبين مقال "فاسيون":
فالتقرير يقدم الاستدلال على التقويم في حين يعكس "فاسيون" الترتيب.
[18] العتوم عدنان يوسف: علم
النفس المعرفي النظرية والتطبيق، دار المسيرة، عمان، 2012م، ص 247 (بتصرف)
[19] قارن: المرجع السابق، ص
251
[20]
جاء في الجزء الأول من الكتاب الأبيض في باب "الاختيارات والتوجهات التربوية
العامة" أن من بين الغايات
والتوجهات: "إعمال العقل واعتماد الفكر النقدي".
[21]
للأسف يتعامل المتعلمون ببراغماتية فجة مع الثقافة المدرسية. فالمعارف التي لا
تندرج في الامتحان تهمل وتنبذ.
[22]
أنظر حسان الباهي: الحوار ومنهجية التفكير النقدي، أفريفيا الشرق، الدار البيضاء،
2013م. ص151-152
[23] Yang & Newby &
Bill ; Using Socratic Questioning to Promote Critical Thinking Skills, In:
THE AMERICAN JOURNAL OF DISTANCE EDUCATION, 19(3), 163–181.
[24]
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
تعليقاتكم وتفاعلاتكم مع المقالات يحفزنا ويثري الصفحة، فلا تبخلوا علينا بلمساتكم واتركوا أثرا لمروركم الكريم