د محمد أعراب
المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين-إنزكان
أولا- مفهوم التقويم:
يقال إن طبيعة وشكل التقويم المعتمد يعكس
مستوى التعليم وقيمة المنهاج. لا يعني ذلك أن التقويم هو قياس لمستوى التعليم،
ولكن بالأحرى إن نمط التقويم السائد في نظام تعليمي ما هو انعكاس لنمط التكوين
المعتمد. فنمط التقويم التقليدي القائم على أسئلة الاستظهار المباشر وغير المباشر
يعكس نمطا تقليديا من التعليم يقوم على المضامين والمحتويات. أما النمط الحديث فهو
يرتكز على تقويم الكفايات والمهارات بشكل أساس. وهذا يدل على أن التقويم يشكّل
عنصرا محوريا في المنظومة التربوية، وليس مجرد ملحق إضافي. بل إن المناهج المعاصرة
تضع في حسابها مسألة التقويم الدوري لتتبّع تنزيل مقتضياته والتأكد من مدى تحقيق
الأهداف وتعديله واتخاذ القرارات اللازمة بشأنه.
1) أهمية التقويم:
لابد من تخليص مفهوم التقويم من بعض
التصورات والمفاهيم المغلوطة والأحكام المسبقة التي تكتنفه بالغموض والالتباس. فمن
ذلك ارتباط التقويم بالنقط والمكافأة والتكرار والانتقام والعقاب...فهذه التصورات
الخاطئة تجعل من التقويم شكلا سلبيا للتسلط وممارسة التمييز ومأسسة الإقصاء (طبعا
لا نقصد أطروحة بيير بورديو التي لها سياقها الخاص).
لابد من
النظر إلى التقويم من منظور منظومي شمولي يندمج فيه باعتباره ركيزة أساسية من
ركائز المنهاج المعاصر. فالتقويم ليس عنصراً معزولا أو مضافاً إلى التكوين
والتعليم. بل إن التقويم هو بمثابة لوحة القيادة التي تضبط مؤشرات تحقّق الأهداف
المبرمجة. فلا نستطيع معرفة مدى تحقق الأهداف والكفايات في برنامج ما إلا إذا صيغت
في صيغ قابلة للقياس والتقييم.
2)
دوره في
المنظومة التربوية:
يقول أحد
الباحثين: "ما معنى التقويم الذي نقوم به؟ (...) إننا نصرّح بأهداف تعليمية
جميلة للغاية. ولكن، هل نقوم بقياس مدى تحققها؟ إننا نود تكوين أشخاص مستقلي
الشخصية مثلا، فهل نقيس هذا الاستقلال؟ (...) إننا نود تكوين الشخصية بطريقة
شاملة، ولكننا لا نقيس سوى ما حصله المتعلم من معارف في وقت معين."[1] وبالتالي
فإن التقويم هو الخيط الناظم لكل مكونات العملية التعليمية-التعلمية بدءاً من
الغايات إلى أهداف التعلم مرورا بالكفايات والمهارات والقيم. وهو السبيل الأمثل
لتتبع وتصحيح مسار المنظومة التربوية. كما أنه الضابط الذي يجنّبنا وضع أهداف
فضفاضة أو طوباوية غير قابلة للتحقق. فالتقويم هو الراصد لاختلالات التصورات
التربوية والمحك الذي تُختبر به مصداقيتها.
فقد تبيّن
إذا أن التقويم يلعب دوراً محوريا في صياغة المناهج وتتبع تنزيلها واختبار مدى
تحقّق أهدافه وغاياته ومراميه. كما أنه يشكّل عنصراً مهما في العملية
التعلمية-التعليمية دون أن ينحصر في جانبه القياسي أو الجزائي.
إنه فحص للجدوى وتوجيه لمسار المنظومة ولوحة قيادتها.
ثانيا- تحديد المفاهيم والمجالات:
1)
التقويم:
لن نستفيض في تقصّي المعاني اللغوية والمعجمية لمادة
ق-و-م. بل سنجمل الدلالات التي نجدها في القواميس العربية. فالتقويم يفيد:
-
تقدير قيمة
الشيء وتثمينه.
-
قياس الزمن
السنوي.
-
التعديل وإزالة
الاعوجاج.
-
إبداء حكم
تقديري.
-
قوام الشيء
نظامه وعماده.
أما التعاريف التي قدمت للمفهوم داخل المجال
التربوي-التعليمي فهي من الكثرة والتعدد والاختلاف بحيث يحار المرء أيها يختار
ويعتمد. لكن سنحاول تقديم بعض التعريفات لتحليلها.
1
"مجموعة
من الإجراءات والعمليات المستعملة لأدوات من طرف شخص تكلّف بتعليم فئات معينة أو
شخص آخر أو المتعلم ذاته، والتي تكون مبنية بكيفية تمكّن المستهدف بالتقويم من
أداء مهام أو الجواب عن أسئلة أو تنفيذ إنجازات يمكِّن فحصُها من قياس درجة
تنفيذها وإصدار الحكم عليها وعلى منفذها واتخاذ قرار يخصّه أو يخص عملية تعليمه
ذاتها."[2]
يتضمن هذا التعريف جملة من العناصر الأساسية لابد من
الإشارة إليها:
-
التقويم عبارة
عن عمليات وإجراءات وليس فعلا منفصلا.
-
لابد من توفّر
مجموعة من الأدوات.
-
التقويم مسند
إلى شخص أو مجموعة أشخاص.
-
عملية بناء
الأدوات التي توظّف في التقويم.
-
التقويم عملية هادفة
وخطط لها غرضها ينصب على أداء المتعلم وإنجازه.
-
يُعرض أداء
المتعلم للفحص والتحليل.
-
إصدار حكم أو
أحكام حول ذلك الإنجاز.
-
اتّخاذ قرار
بخصوص موضوع التقويم.[3]
2
تعريف معجم
مصطلحات التربية: "هو عملية جمع وتصنيف وتحليل وتفسير بيانات كمية أو كيفية
عن ظاهرة أو موقف أو سلوك بقصد استخدامها في إصدار حكم أو قرار."[4]
يفيدنا هذا
التعريف عنصر جمع البيانات الكمية أو الكيفية وتحليلها لإصدار الحكم ولاتّخاذ
القرار.
3
تعريف جرونلند Gronlund: "عملية منهجية، تحدد مدى ما تحقّق من الأهداف
التربوية من قبل الطلبة، وأنه يتطلب وصفا كميا وكيفيا، بالإضافة إلى إصدار حكم على
القيمة."[5]
يفيدنا هذا التعريف عنصراً مهما وهو ملاحظة وفحص وقياس
مدى تحقّق الأهداف التربوية. فالتقويم يكمن في المقارنة بين الأهداف المعلنة وما
تحقّق منها.
4
تعريف فؤاد أبو
حطب: "إصدار حكم على مدى تحقيق الأهداف التربوية ومعالجة الآثار التي تحدثها
بعض العوامل والظروف، أي أن إصدار حكم في المجال التربوي يتبعه إجراء عملي يتعلق
بتحسين العملية التربوية أو في بعضها أو فيها جميعا، فقد ينصبّ التقويم على نفسه
فيصبح تصحيحا للتقويم، أي أن المعلومات التي تنتج من التقويم تقوم بدور التغذية
الراجعة بالنسبة إلى جميع مكونات العملية التربوية."[6]
ما يفيده هذا التعريف هو ثلاثة عناصر.
-
أن التقويم لا
ينتهي بإصدار الحكم. بل لابد من اتخاذ تدابير وإجراءات عملية من أجل تحسين وتعديل
وتصويب موضوع التقويم.
-
أن التقويم
نفسه قد يكون موضوعا للتقويم من أجل تحسين صيغه وأساليبه وأدواته...
-
أن التقويم
يتيح الحصول على معلومات هي عبارة عن تغذية راجعة بالنسبة للعملية التعليمية
برمّتها.
تعريف مؤلفي كتاب: "البيداغوجيا، قاموس
المفاهيم المفتاحية" Pédagogie, dictionnaire des
concepts clés:
"التقويم المدرسي هو فعل
يكمن في إسناد قيمة إلى إنتاج مدرسي (استظهار، تمرين تطبيقي، حل مشكل، إنشاء...)
من أجل وضع النقطة على مكتسبات التلاميذ." معتبرين أن كل أستاذ يشغل وظيفتين
اجتماعيتين هما: وظيفة البيداغوجي (عندما ييسّر التعلمات)، ووظيفة النّاخب (عندما
يضع النقط في الامتحانات). ولكل وظيفة منهما نوع التقويم الذي يناسبه."[7]
الدور الانتخابي من خلال التقويم الإشهادي الذي هدفه وضع تقييم جزائي (سلبي
أو إيجابي) من أجل ترجمة هذا التقييم في سلم الترتيب أو الانتخاب.
أما الدور البيداغوجي فيتجلى في التقويم التكويني الذي يهدف إلى معرفة مدى
تحقق الأهداف التعليمية وتقويم جهد المعلم والمتعلم معاً.
كما يتطلب التقويم اختيارا لمجموعة من الخطوات والأدوات instruments ويفترض
أيضا تأويلاً للمعلومات والمعطيات يعقبه اتخاذ إجراءات لتعديل المسار.[8]
نستخلص من هذه التعاريف أن التقويم عملية منهجية متعددة الأبعاد وضرورية من
أجل معرفة مدى تحقق الأهداف التعليمية ومن أجل تعديل مسار التعلم وتحسين المنظومة
التربوية.
2)
التقييم:
لابد من الإشارة إلى لبس يكتنف مصطلح
التقييم. فالبعض يتحدث عن التقويم، كما لو أن لفظ التقييم مجرد مرادف لكلمة
التقويم. في حين يعتبر البعض خصوصاً ذوي المرجعية الأنجلوسكسونية أن
"التقييم" Assessment مفهوم قائم
بذاته يدل على: "عملية جمع معطيات وبيانات وترتيبها وتفسيرها للمساعدة على
أخذ قرار بشأن الطلاب وتوجيههم بحسب استعداداتهم وميولهم، وعملية جمع المعلومات
تتم من خلال: اختبارات الأداء والملاحظة"[9]
الملاحظ
على هذا التعريف أنه لا يختلف عن تعريف مفهوم "التقويم". فما الذي يميز
هذا التعريف إذا؟
يجيب صاحب التعريف بأنه "لا تتضمن هذه العملية
التشخيص والعلاج والوقاية التي تخص عملية التقويم."[10]
فالتقييم حسب هذا التصور يختلف عن التقويم في كونه جمع
البيانات من أجل إصدار الحكم واتخاذ القرار بشأن التوجيه. ولكن على ضوء أي شيء يتم
جمع البيانات والمعطيات؟ هنا نحتاج إلى عنصر آخر ضروري هو القياس.
وقد ميّزت بعض المناهج المعاصرة (أمريكا الشمالية) بين
المفاهيم التالية: evaluation, assessment, appraisal, باعتماد مفهوم evaluation حين يتعلّق الأمر بالتقويم بمعناه العام وبالأخص حين يتعلق الأمر
بتقويم المناهج والبرامج. في حين يتم توظيف مصطلح تقييم assessment حين يتعلّق الأمر بتقويم أداء التلاميذ كأفراد. وأما حين يتعلّق
الأمر بتقويم أداء الأساتذة فإن المصطلح المناسب هو appraisal الذي قد نترجمه بالتقييم أو التثمين[11].
3)
القياس: Mesure
"عملية
إضفاء عدد معين على موضوع أو حدث حسب قاعدة منطقية مقبولة."[12]
يعرفه
كيلفوردGuilford : "إن
القياس هو عملية وصف المعطيات النفسية والتربوية بواسطة الأرقام."[13]
أما إبل Ebel فيعرّفه قائلا: "بأنه
عملية إعطاء أرقام للسلوكات الإنسانية بماء على قواعد معينة. وهكذا يتطلب قياس صفة
من الصفات البشرية استعمال بعض الطرق أو المناهج التي تتكون من عمليات ذهنية
ورياضية، وذلك باعتماد أساليب وقواعد خاصة تؤدي إلى إعطاء أرقام وأعداد لحصيلة
سلوك إنسان معين."[14]
ويعرفه دولاندشير بكونه: "إعطاء قيمة
كمية لإنجاز التلميذ تترجم نوعا من الحكم على ذلك الإنجاز، ودرجة التحكّم فيه.
ويتطلب القياس شرطين رئيسيين هما الموضوعية والدّقة. فالموضوعية تعني أن الحكم على
إنجاز التلميذ لم تتدخّل فيه عوامل ذاتية. والدّقة تعني ثبات الحكم الذي قيست به
الإنجازات."[15]
نستنتج من خلال هذه التعاريف أن القياس يرتبط
بالتكميم أو التقييم الكمّي الذي يترجم إلى أرقام وأعداد. ونستنتج كذلك ارتباط
القياس بالحكم على قيمة إنجاز المتعلم. وأن القياس يحتاج إلى قواعد مضبوطة أو
معايير.
لكن ما العلاقة بين القياس
والتقويم؟
يرى محمد فاتيحي أن التقويم -الذي يسمّيه
التقييم- يتكون من عمليتين هما: القياس والتقييم. فالقياس "عملية أساسية لا
يقوم بدونها التقييم، كما أن التقييم يُعد مكملا للقياس. ويعتبر التقييم أداة
ضرورية لاتخاذ القرارات التربوية المختلفة."[16]
ويضيف لاحقا "إن عملية التقييم [التقويم] تعتمد قبل كل شيء على أدوات للقياس
تمكّننا من جمع المعطيات والمعلومات حول الأفراد أو الأشياء أو الظواهر، بخصوص صفة
من الصفات. وبعبارة أوضح نقول إن التقييم ينبني على نتائج قياسية اعتمدت على سلّم
للتنقيط. ويتبيّن لنا أيضا التقييم إنما يكون استجابة لحاجتنا إلى معلومات ومعطيات
دقيقة وموضوعية تساعدنا في إصدار الأحكام الملائمة واتخاذ القرارات والتدابير
اللازمة والتي تخدم الصالح الخاص والعام بنفس الأمانة والمصداقية."[17]
ويخلص إلى القول "إن
التقييم هو الأساس المعتمد في اتخاذ القرارات والتدابير التربوية على مختلف
مستويات النظام التعليمي."[18]
4) علم الاختبارات: Docimologie
الدوسيمولوجيا مشتقة من الكلمة اليونانية dokimé
ومعناها اختبار. أما لفظة dokimastikos
فتشير إلى دراسات تقنيات الامتحان. ويشير اللفظ إلى
المجال المعرفي المختص بالدراسة المنهجية للامتحانات.[19]
وفي الكتاب الموسوعي "البيداغوجيا،
قاموس المفاهيم المفتاحية" نجد التعريف التالي: "الدوسيمولوجيا هي
الدراسة العلمية للامتحانات ولنظم التقويم في التربية."[20]
ويشير في تعريف ديكيليلي Dekelele إلى
دلالتين: دلالة أولى وهي علم الامتحانات، ودلالة موسعة تعنى بدراسة نظم التقويم في
التربية.[21]
أما
لوجوندر Legendre فيعرفه كالتالي: "علم
القياس والتقويم في مجال التربية، موضوعه إعداد أدوات القياس وتأويل المعلومات
المحصّل عليها، وتصرفات الممتحنين."[22]
يتأسّس
هذ الحقل المعرفي – "التخصص العلمي"- على عدة مسلّمات:
1
إن إنتاج
متعلم ما يعكس مستواه ويمثل ذاته.
2
قابلية
الإنتاجات للتكميم والتقييم الحسابي.
3
تلعب
الصدفة دوراً كبيراً في اختلاف الممتحِنين.
وقد طرح مجموعة من الإشكالات أهمها مادامت تفيد
موضوعنا:
-
النقط والدرجات
التي تمنح لإنجاز تلميذ ما من طرف مصحّحين متعددين.
-
النقط
والدرجات التي تمنح لإنجاز تلميذ ما من طرف واحد في ظروف متعددة.
-
تفسير الاختلافات في التصحيح وكيفية تأويلها.
بدورها
تطرح الدوسيمولوجيا عدة أسئلة: هل الامتحانات عادلة؟ وهل هي مضبوطة في صياغتها؟
ألا تساهم في حيف من نوع ما؟ هل هي أداة للتمييز والانتخاب والإقصاء على المستوى
الاجتماعي؟[23]
وفي الحقيقة هناك ما يبرّر طرح السؤال حول
مصداقية التقويم عموما وأمانته أساساً. ليس لأسباب لا أخلاقية -ذاتية المصحّحين-
بل لأسباب متعدّدة قد تكون ملازمة لأساس التقويم الذي لا بد من الأخذ بعين
الاعتبار خصوصية العنصر البشري الذي يتّصف بعدم الثبات وحرية التفكير وعدم النمطية
وأيضا اختلاف الظروف والشروط...
فكيف
يمكن تفسير أن نفس الورقة تلقى تقديراً يتفاوت إلى عشر نقط (في التنقيط على عشرين)
عند مصحّحِين مختلفين في المواد الأدبية (الفلسفة كنموذج بارز!) وخمس نقط في
المواد العلمية؟
حصلت
تلميذة، في فرنسا، سنة 1994م على نقطة 1 على 20، وفي نفس العام كانت قد حصلت على
الجائزة الثانية في مباراة الفلسفة![24]
قد يجيب
البعض ربما سبب هذا الاختلاف الصارخ يرجع إلى غياب المعيار أو غياب معيار موحد.
فما هو
المعيار؟ وهل يشكّل ضمانا لمصداقية التقويم؟
5)
المعيار:
critère
هو العنصر الذي نرجع إليه
(كمرجع) من أجل إجراء التقييم أو إصدار الحكم.[25]
ويعرّفه
دولاندشير: "في مجال التقويم، جملة التقديرات والقياسات التي تهم نتاجا
يتوقعه اختبار معين. ويسمى اختبارا معايرا كل اختبار لا تؤول نتائجه بمقارنة توزيع
التقديرات المحصل عليها من طرف جماعة التلاميذ، بل تؤول بالمقارنة مع معيار تصفه
أداءات مستهدفة (أهداف)."[26]
ويمكن
تحديد مجموعة من المعايير في إطار التقويم:
(1) – معايير علمية وتضم العناصر التالية:
(أ)
الصلاحية
الداخلية: تطابق المعلومات المحصّل عليها مع الموضوعات التي تخبر عنها.
(ب) الصلاحية
الخارجية: قابلية تعميم هذه المعلومات على عناصر أخرى خارج العينة موضوع التقويم.
(ج)
الصدق: ثبات المعلومات في وضعيات مختلفة.
(د)
الموضوعية: وحدة التأويل لنفس المعلومات عند كل الممتحنين.
(2) – معايير عملية: وتتضمن العناصر التالية:
(أ) الوضوح:
وضوح المعلومات -موضوع التقويم- بارتباطها لنفس الأهداف.
(ب)
الأهمية: تصنيف المعلومات بحسب الأهمية.
(ج)
التغطية: تغطية المعلومات لكافة الجوانب المطلوبة.
(د)
المصداقية: ثقة الممتَحنين في المصحّحين.
(ه)
الزمن: ملاءمة تحصيل المعلومات مع الزمن المرصود.
(و)
تكافؤ الفرص: توصّل كل المعنيون بالتقويم بالمعلومات -موضوع التقويم.
(3) معيار الاحتياط:
اتخاذ القرارات الملائمة بعد الحصول على المعلومات.[27]
6) المؤشر: Indicateur
المؤشّر هو كل علامة تدلّ
على وجود ظاهرة ما.
وفي المجال البيداغوجي يدلّ
المؤشّر على العلامات الدّالة على تحقيق الأهداف على اعتبار هذا الأخير يُعبَّر
عنه بمؤشرات تترجم تحققه لدى المتعلم.[28]
ربما جاز
لنا الاطمئنان إلى مصداقية التقويم بعد الإحاطة بكل هذه الإجراءات التي تهدف إلى
تحقيق أعلى مستويات الدقة والصرامة المعيارية من خلال المعايير والمؤشرات...
ولكن ليس
الأمر بهذه البساطة!
فمثلا في تقويم الموضوع الإنشائي في الفلسفة يُطلب من المصحّحين مراعاة
مجموعة من المعايير أو ما يُسمى الإطار المرجعي لامتحان الباكالوريا في المادة[29]. لكن في الحقيقة لا وجود لمعايير واضحة ودقيقة بل تتحدث
المذكرة عن مؤشرات للقدرات والمهارات توضع لها نقط محددة. فمثلا "الفهم"
يوضع له (4) نقط من خلال ثلاثة مؤشرات...
والواقع
أن المذكرة لا توضّح كيفية تنفيذ هذه المعايير التي تهمّ مادة أساسية في الامتحان
الوطني. فهل هذه النقطة (4) تهم القدرة ككل أم أنه ينبغي توزيعها على المؤشرات
بشكل رياضي؟ أم أن الأمر متروك للمصحّح!
وهل
ينبغي التعامل مع كل قدرة ومهارة على حدة أم أنه ينبغي النظر إلى الموضوع الإنشائي
كوحدة؟ وهل ينبغي إهمال الأخطاء اللغوية لصالح الفكر أم لابد من تحمّل قسط من واجب
مصحّح اللغة؟ وهل ينبغي الأخذ بعين الاعتبار إلمام التلميذ بمنهجية التحليل ولو
على حساب أخطائه المعرفية أو أخطاء التطبيق؟ أم أن الأمر يحسم فيه المصحّح؟ وهل
سيتفّق المصحّحون بشأن تلك الاعتبارات؟ فنعود إلى ذاتية المصحّح بعد كل ذلك
العناء...
لذلك
اضطرّ بعض الباحثين إلى إبدال لغة "الدقة والشمولية" -فيما يخص
المعايير- بلغة النسبية والمرونة معتبراً أنه ليس من الضرورة أن يكون المعيار
مطلقاً وشاملاً، بل لا يعدو الأمر أن يكون مجرد إجراءات وأهداف تصاغ في صورة
"معايير إجرائية ووظيفية".[30]
7) الاختبار Epreuve
يعرّفه لوجوندر Legendre: "أداة
للقياس تتكون من مجموعة أسئلة مستقاة انطلاقاً من الأهداف المراد قياس مدى
تحقّقها."[31]
8) الرائز Test
"اختبار معياري يسمح بقياس وتقييم معرفة
محدّدة أو بُعد من أبعاد الشخصية (الذكاء، الاهتمام، الانفعالات، الانطواء،
الانبساط...) وتتم هذه الاختبارات من خلال المقارنة بين النتائج المحصَّل عليها
لفرد ما مع نتائج مجموعة ضابطة (أو شاهدة).[32]
الملاحظ أن الرائز يهم مجال الاختبارات النفسية
والاجتماعية والتربوية أكثر من مجال التقويم المدرسي؛ كما أنها تفيد المجال
السلوكي أو محددات السلوك والدوافع.
9) الامتحان Examen
"بيان
مصاغ، على شكل صور أو كلمات، يبلغ به فاحص أو ممتحن قصده لمسؤول بطريقة تجعل هذا
الأخير يدلي بالجواب المنتظر. والاختبار أيضا أداة قياس تتعلق في غالب الأحيان،
بمضمون معين من مقرر تعليمي ويرمي إلى فحص واختبار مكتسبات التلاميذ
التعليمية."[33]
طبعاً يحتاج الامتحان إلى تأطير إداري وبيداغوجي من أجل
ضمان شروط المصداقية والملاءمة مع البرنامج الدراسي والمنهاج بصفة عامة. وهذا هو
دور الإطار المرجعي للامتحانات.
(10) الإطار
المرجعي Cadre référentiel
يُقصد به التحديد الدقيق والإجرائي لمعالم التحصيل النموذجي للمتعلمين عند
نهاية الموسم التكويني أو الدورة أو المجزوءة. وذلك من خلال حصر الموارد الدراسية
المقررة والكفايات والقدرات والمهارات مع تصنيفها وفق "الأهمية النسبية"
مع تحديد شروط الإنجاز.[34]
ولكن كل هذه الإجراءات لم تجنّب فكرة الامتحانات التعرض
لمجموعة من الملاحظات والانتقادات:
-
كون فكرة
الامتحان -في شكلها البالي- فكرة متجاوزة في ظل التقدم الذي تعرفه الأبحاث
البيداغوجية مدعمة بالثورة المعرفية التي تشهدها العلوم الإنسانية[35].
-
الأثر
النفسي السلبي للامتحان على نفسية المتعلمين.
-
مشكلة
التصحيح التي تؤدي إلى عدم تكافؤ الفرص كما أشرنا سابقاً.
-
الامتحان
التقليدي ينحصر في الجوانب المعرفية ويقوم على واجب المطابقة بين إنتاجات
المتعلّمين واللوائح المعيارية.
-
لا يأخذ
الامتحان التقليدي بالجوانب المتعدّدة لشخصية المتعلّم وهوما تمّ استدراكه مع
نظريات الذكاءات المتعددة والبيداغوجيا الفارقية وغيرها من المقاربات المعاصرة.
-
الانفصال
بين نظرة الامتحان المعيارية -أقصد الإشهادي- وواقع التعلمات الفعلية في الفصول
الدراسية.
-
تعتمد
الامتحانات على التنقيط وهو أمر لا يخلو من مشاكل تزداد تعقيداً بمشكلة التصحيح.
-
إن تركيز
الامتحان على الجانب المعرفي والكتابي خاصّة فيه تهميش للجوانب المهارية المهمة.[36]
على سبيل
الختم:
لقد
كانت هذه الانتقادات وغيرها دافعاً نحو إعادة النظر في مشكلة التقويم وبالأخص
معضلة الامتحانات.
والحال
أن التقويم مطوّق من حيث ماهيته بمجموعة من الصعوبات تلتقي في عنصر واحد يتمثل في
إشكالية ضبط العنصر البشري. فالمعارف والكفايات والمهارات والصفات النفسية تنتمي
إلى نوع من المتغيرات يصعب قياسه لأنه يندرج ضمن المتغيرات والصفات الباطنية traits
latents التي
لا تنضبط إلا من خلال تجلياتها الظاهرة، وهذا هو أصل ما بُعرف بالأخطاء القياسية erreurs
de mesure.[37]
وقد تتدخل عوامل متعددة في هذه الأخطاء: منها ما يرجع إلى الشخص الممتَحن
(استعداده، ظروفه، قلقه، النسيان...) أو موضوع الامتحان إذا كان لا يتناسب مع أداة
التقويم (كالقيم) أو ظروف إجراء الامتحان، أو مشكلة التصحيح (ذاتية المصحح، غموض
المعايير، غياب إطار مرجعي واضح...)
وقد تم تبنّي منظور أكثر مرونة وانفتاحا على
البيداغوجيا المعاصرة من خلال إدماج التقويم ضمن سيرورة التعلم وليس في نهايته
كجزاء (النجاح\الفشل). ومنذئذ تغيرت الوظيفة البيداغوجية للتقويم وأصبح يؤدي
أدواراً أساسية في تجويد التكوين وتعديل مستواه. بل إن التقويم لم يعد ينصبّ على
التلميذ بل صار يشمل كل المتدخلين في العملية التعليمية-التعلمية: المتعلم،
المعلم، المنهاج، المقاربات، المؤسسات...
ومن المهم كذلك إدماج المهارات العليا في التعليم والتقويم كالتفكير النقدي والإبداع والقيم الكونية. فالتقويم هو مهماز التطور في كل المجالات ولذلك فإن المنظور النقدي للتقويم هو شكل من أشكال تقويم التقويم من أجل الدفع بتطويره وتجويده.
الهوامش:
[1] رشيد بناني، من البيداغوجيا إلى الديداكتيك، أورده: عبد الحق منصف، رهانات البيداغوجيا المعاصرة، أفريقيا الشرق،
الدار البيضاء، 2007م، ص 109.
[2] عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار
البيضاء، ط الثالثة، 2001م، ص 119.
[3] المصدر السابق، ن ص.
[6] محمد أبو الفتوح خليل، التقويم التربوي بين الواقع والمأمول، مكتبة الشقري، الرياض، 2011م، ص 5.
[7] Françoise Raynal et Alain
Rieunier, Pédagogie, dictionnaire des concepts clés, ESF éditeur, 7° édition,
2009. P 182.
[8] Yves Reutier (éd),
Dictionnaire des concepts fondamentaux des didactique, De Boeck, Bruxelles,
2008, p 105.
[9] محمد أبو الفتوح خليل، التقويم التربوي بين الواقع والمأمول، مرجع سابق، ص 5.
[10] المرجع السابق، ن ص.
[11]
Jaap
Scheerens, Cees Glas, Sally Thomas , Educational evaluation, assessment and
monitoring, Swets & Zeitlinger, Tokyo, 2005, p 2.
[12] عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربية،
مرجع سابق، ص 195.
[13] محمد فاتيحي،
مناهج القياس وأساليب التقييم، منشورات ديداكتيكا، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، ط
أولى، 1995م، ص 8.
[14] نفس المرجع، ن
ص.
[15] عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربية، مرجع سابق، ص 196.
[16] محمد فاتيحي، مناهج القياس وأساليب التقييم، مرجع مذكور،
ص 7.
[17] المرجع نفسه، ص 14.
[18] نفس المرجع، ن ص.
[19] عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربية،
مرجع سابق، ص 79.
[21] عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربية،
مرجع سابق، ص 79.
[22] نفس المرجع، ن ص.
[23] نفس المرجع، ن ص.
[25] Ibid.
p 130.
[26] عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربية،
مرجع سابق، ص 56-57.
[27] نفس المرجع، ص 57.
[28] نفس المرجع، ص 164.
[29] أنظر: المذكرة رقم 37 الصادرة بتاريخ 26 فبراير 2010
الخاصة بالأطر المرجعية لمواد الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا– مادة الفلسفة –
جميع الشعب. وزارة التربية الوطنية. المملكة المغربية. وانظر كذلك:
-
الأطر المرجعية لفروض المراقبة المستمرة واقتراحات
مواضيع البكالوريا.
-
مذكرة التقويم التربوي 142. التقويم التربوي بالسلك
الثانوي التأهيلي.
-
المذكرة رقم: 04-142: التقويم التربوي بالسلك الثانوي
التأهيلي لمادة الفلسفة.
[31] عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربية، مرجع سابق، ص 117.
[32] Françoise Raynal et Alain
Rieunier, Pédagogie, dictionnaire des concepts clés, op.cit. P 443.
[33] عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربية،
مرجع سابق، ص 135.
[34] أنظر: المذكرة رقم 37 الصادرة
بتاريخ 26 فبراير 2010 الخاصة بالأطر المرجعية لمواد الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا–
مادة الفلسفة – جميع الشعب. وزارة التربية الوطنية. المملكة المغربية.
[35] قارن: عبد الحق منصف،
رهانات البيداغوجيا المعاصرة، مرجع مذكور، ص 117.
[36] Jaap Scheerens, Cees Glas, Sally Thomas, Educational evaluation,
assessment and monitoring, P36.
[37] أنظر: محمد فاتيحي، مناهج القياس وأساليب التقييم، ص 25.
المراجع:
-
عبد
الحق منصف، رهانات البيداغوجيا المعاصرة، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2007م.
-
عبد
الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح
الجديدة، الدار البيضاء، ط الثالثة، 2001م.
-
فاروق عبده فليه وأحمد الزكي، معجم مصطلحات التربية، دار
الوفاء، الإسكندرية، 2004م.
-
مصطفى
نمر دعس، استراتيجيات التقويم التربوي الحديث وأدواته، دار غيداء، الأردن، 2008م.
-
محمد
أبو الفتوح خليل، التقويم
التربوي بين الواقع والمأمول، مكتبة الشقري، الرياض، 2011م.
- محمد فاتيحي،
مناهج القياس وأساليب التقييم، منشورات ديداكتيكا، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، ط
أولى، 1995م،
المراجع الأجنبية:
-
Françoise Raynal et Alain
Rieunier, Pédagogie, dictionnaire des concepts clés, ESF éditeur, 7° édition,
2009.
-
Yves Reutier (éd),
Dictionnaire des concepts fondamentaux des didactique, De Boeck, Bruxelles,
2008,
-
Jaap Scheerens, Cees Glas, Sally Thomas, Educational
evaluation, assessment and monitoring, Swets & Zeitlinger, Tokyo, 2005.
وثائق ومذكرات:
- المذكرة رقم 37 الصادرة بتاريخ 26
فبراير 2010 الخاصة بالأطر المرجعية لمواد الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا مادة
الفلسفة – جميع الشعب. وزارة التربية الوطنية. المملكة المغربية.
-
الأطر المرجعية لفروض المراقبة المستمرة واقتراحات
مواضيع البكالوريا.
-
مذكرة التقويم التربوي 142. التقويم التربوي بالسلك
الثانوي التأهيلي.
-
المذكرة رقم: 04-142:
التقويم التربوي بالسلك الثانوي التأهيلي لمادة الفلسفة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
تعليقاتكم وتفاعلاتكم مع المقالات يحفزنا ويثري الصفحة، فلا تبخلوا علينا بلمساتكم واتركوا أثرا لمروركم الكريم