الأربعاء، 30 أكتوبر 2024

نظرية التعلم التحويلي ودورها في تطوير الممارسة المهنية

  

 

                                                                                        د محمد أعراب

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين-إنزكان

mhamarab@yahoo.fr

 

 

 

 

1.   مقدمة:

تنسب نظرية التعلم التحويلي Transformative Learning Theory إلى مؤسسها الفعلي عالم الاجتماع والبيداغوجي الأمريكي المعاصر "جاك ميزيرو"Jack Mezirow (1923 - 2014). وقد استغرق تدقيق النظرية حوالي أربعة عقود (من 1978م إلى 2014م).  وقد بدأت بذور النظرية عندما درس ميزيرو النساء الراشدات اللائي اخترن العودة إلى التعليم العالي بعد الانقطاع الدراسي. وشكلت هذه الدراسة فرصة لملاحظة سلوك وكيفية تعلم الراشدين. وكانت الخلاصات الأولية أن الراشدين لا يكتفون بتطبيق طرقهم القديمة في التعلم على موضوعات جديدة، بل إنهم يستكشفون منظورات جديدة لمواكبة المستجدات والأحداث. وقد قادته هذه النتائج بخصوص "التغير الانعكاسي" إلى صياغة تحوّل المنظور Perspective Transformation. وعكف ميزيرو على استقصاء ثوابت طرق التعلم عند الراشدين فانتهى إلى نظرية التعلم التحويلي بخطواتها العشر. فما هي نظرية التعلم التحويلي؟ وما هي أسسها؟ وكيف يمكن توظيف نظرية التعلم التحويلي من أجل تجويد الممارسات المهنية؟

سنحاول في هذه الورقة عرض نظرية التعلم التحويلي وتحليل أسسها ومبادئها، ثم سنحاول معرفة كيفية توظيفها في السياق المهني من أجل تطوير الممارسات المهنية، وفي الأخير سنقدم اقتراحا بإدماجها ضمن منهجية البحث التدخلي. وعليه فإن منهجنا سيكون المنهج التحليلي النقدي المقارن.

2.   أسس نظرية التعلم التحويلي:

      تم تعريف نظرية التعلم التحويلي على النحو التالي: "العملية التي يقوم من خلالها الأفراد بفحص الأطر المرجعية الإشكالية لجعلها أكثر شمولاً وتمييزًا وانفتاحًا وانعكاسًا وقادرة على التغيير عاطفياً."[1]  بالنسبة لجاك ميزيرو تتكون بنيات المعنى أو أطرنا المرجعية من بعدين أساسيين هما: العادات الذهنية ووجهات النظر. وتعمل نظرية التعلم التحويلي على تنبيهنا إلى الافتراضات والخلفيات المحرّكة لأفكارنا وسلوكياتنا.[2] كما تسمح لنا بتغيير منظورتنا القديمة في التفكير والسلوك لصالح وجهات نظر جديدة. وعليه فالتعلم التحويلي يعني تغيير عاداتنا الذهنية الراسخة ومسلماتنا وبداهاتنا الساذجة من منظور نقدي ناجع. فنظرية التعلم التحويلي تروم التعلم من أجل التغيير والتطوير. ولكن أليس التغيير هو مبتغى التعلم وهدفه الأساس؟

     يشدّد جاك ميزيرو على أنه ليس كل تعلم تحويلي[3]. فقد يكون التعليم ببساطة عبارة عن شحن ومراكمة للمعارف والمعلومات داخل أطرنا المرجعية العتيقة دون المسّ بها. أما التعليم التحويلي فهو الذي يعيد تأويل تجربتنا ومراجعة خطاطاتنا المعرفية والسلوكية من أجل الاستجابة للتغيرات التي تحيط بنا. فالتعلم التحويلي ينطوي على تغيير عميق في المعتقدات والأفكار والآراء فيتغير منظورنا للأشياء والأحداث والعالم. وفي سياقنا المهني لا يمكن الحديث عن الممارسات المهنية بمعزل عن النظرية أو التصور الذي يوجّه تلك الممارسات. لذلك فالنظريات (تصورات، مواقف، اعتقادات، تمثلات...) هي أساس الممارسة. وعليه فتغيير الممارسات يستوجب العمل على الذهنيات...فهي مكمن الخلل والعوائق الإبستمولوجية...

     ترتكز نظرية التعلم التحويلي على مرتكزات هي بمثابة مكونات النظرية، نجملها على النحو التالي:

1.    التجربة/الخبرة Experience: كل ما يحدث من حولنا هو عبارة عن تجارب.

2.    التأمل النقدي Critical reflection: تعيين وتحدي افتراضاتنا حول الأشياء والوقائع والأحداث. فيحدث نوع من العصف الذهني. وذلك عندا تواجهنا معضلة ما.

3.    الخطاب التأملي Reflective discourse  تقييم لافتراضاتنا الذي من شأنه أن يقودنا إلى نوع من محاولة توضيح الفهم لتكوين حكم جيد حول المسألة.

4.    العمل Action هو منظور عملي جديد يسمح للفرد بإدماج معلومات جديدة تسهم في تغيير حياته. فالغاية من التعلم هو العمل والتغيير. ويتحقق عندما يتعلم الفرد معرفة جديدة، أو عندما يضطلع بدور أو أدوار جديدة، أو عندما يكتسب حسا قويا بالكفاءة والثقة.

     تتأسس النظرية على تأويل التجربة من خلال الافتراضات البنائية. بعبارة أخرى، يُنظر إلى المعنى على أنه موجود داخل أنفسنا، وليس في أشكال خارجية. نقوم بتطوير أو بناء المعنى الشخصي انطلاقا من تجربتنا والتحقق من صحته من خلال التفاعل والتواصل مع الآخرين. ما نصنعه من العالم هو نتيجة لتصوراتنا لتجاربنا[4]. فالتعلم التحويلي يتحقق عندما يقوم الأفراد بفحص نقدي لتوقعاتهم المعتادة، ومراجعتها، والتصرف وفقًا لوجهة النظر المنقحة، يحدث التعلم التحويلي. يؤدي التعلم التحويلي إلى وجهات نظر أكثر شمولاً وتمييزًا وتكاملًا للتجربة الذاتية.

وعليه يمكن استنتاج المفاهيم المحورية التي يستند عليها التعلم التحويلي -كما سيتضح لاحقاً- كما يلي:

  • التجربة Experience: الخبرة جزء لا يتجزأ من التعلم.
  • التأمل النقدي Critical reflection: هو الذي يسمح بفحص نقدي لمرجعيات الذات وأفكارها واعتقادها. وعليه فالتأمل ينعكس على الذات ويوقفها موقف النقد والتقييم.  
  • النمو والتطور  development: لولا قابلية الذات للتطور والنمو لما كان للتعلم أي فائدة.
  • السياقcontext : المعرفة والتعلم يتحققان في سياق معين وهما قابلان للتأويل. والسياق هو الإطار الذي يسمح للتجربة والخبرة بالتراكم والاستثمار.
  • العقلانية والتأثر  rationality and affect: تشغل عقلنة التعلم وتحويليته على الصعيد الذهني حيزاً كبيراً. خصوصاً البنية المرجعية العميقة (اعتقادات، خلفيات، بداهات، تصورات، أحكام)
  • التواصل ودور العلاقات role of relationships : يراهن التعلم التحويلي على التواصل وتقاسم التجارب كخيار لا غنى عنه في الاطلاع على الحلول الممكنة من خلال تجارب الآخرين.
  • الفعل الاجتماعي social action: غاية التربية والتعليم -كما قال جون ديوي- هي التغيير الاجتماعي. ويرى ميزيرو أن تغيير الفرد هو مدخل إلى تغيير المجتمع. فالفرد أساس المجتمع.

3.   أهمية التعلم التحويلي وخصائصه:

1.   أهمية التعلم التحويلي

    لماذا نظرية التعلم التحويلي كسبيل لتطوير وتجويد الممارسات المهنية في ظل توفر الخيارات المعروفة؟

       فقد يعترض علينا معترض قائلا: "لماذا نشغل أنفسنا بالتغيير والتطوير المهني في حين أن التغير هو سنّة من سنن الحياة؟ فالأستاذ مثلا، سيتغير لا محالة بمرور الوقت من خلال الخبرة المكتسبة وآراء الزملاء وتوجيهات المشرفين التربويين والتعلم الذاتي..."

لكنننا سنرد على هذا الاعتراض بأنه وإن كان صحيحا أن الوقت يفيد التجربة...لكن ذلك يظل عرضة للصدفة والزمن الطويل ويتوقف على الآخرين سواء زملاء أو مشرفين...ثم إن طول الزمن قد ينقلب إلى عامل سلبي من ترسّخ عادات مهنية خاطئة...خلاصة الأمر: قد ننتظر طويلا بلا طائلǃ

   وسيقول آخر: "لماذا لا نكثف الدورات التكوينية والتكوين المستمر من أجل النهوض بالممارسات المهنية؟"

   للأسف قد لا تحقق الدورات التكوينية والتكوين المستمر أهدافها للأسباب التالية:

·         توفر الدروات التكوينية والتكوين المستمر فرصة مهمة من أجل تجديد الممارسات المهنية وتطويرها لتواكب المتغيرات والمستجدات المهنية. غير أن عيبها أنها تبقى عامة وموجّهة ولا تراعي الحاجيات الحقيقية الملحة للفرد. فلكل فرد حاجياته الخاصة وأهدافه الخاصة في التطوير والتكوين...

·         يضاف إلى ذلك أنه غالبا ما يتطلب تطوير المسار المهني تحوّلا في نظم الاعتقادات الموجودة لدى المهنيين. يسمى هذا النمط "التغير المفاهيمي" conceptual change.

  • نحن نقرّ بالمقاربة الفارقية في تعليم المتعلمين، لكننا لا نأخذ بها في تكوين الأطر التربوية وتطوير الممارسات المهنية وتكوينهم المستمر... يجب الإقرار بأن لكل أستاذ حاجاته الخاصة وطريقته الخاصة في التعلم والتكوين.
  • لا تكفي المقاربة السلوكية في معالجة إشكالات مهنية تأخذ فيها الجوانب العقلية والمعرفية والعاطفية حيزاً أكبر من سلوكات قابلة للملاحظة والقياس.
  • لا يكفي مجرد تغيير الممارسات المهنية أو تحسنها، بل لا بد أن تكون مجدية وفعالة، وأن يظهر أثرها على المتعلم. عندئذ تكون ذات معنى.
  • لا يمكن تطوير المعلمين (بشكل سلبي). أنهم يتطورون بنشاط (إيجابيا). إنه أمر حيوي، لذلك، فهم يشاركون بشكل مركزي في القرارات المتعلقة بالاتجاه وفي توجّهات وسيرورات التعلم الخاصة بهم. وليس من خلال برنامج معدّ سلفا بدون إشراكهم في مناقشة محاوره.

·         الأخذ بعين الاعتبار مشكلة "مقاومة التغيير" الداخلي.

·         تغيير الممارسات يبدأ بتغيير العوائق الداخلية: أفكار، معتقدات، تصورات، مشاعر، العادات الذهنية والسلوكية...

  • الدور المركزي لبيئة التعلم: التواصل والمناقشة والتحفيز كأساسيات للتغيير.

·         إن تقديم أدوات التقييم الذاتي والتغيير الذاتي للممارسة المهنية هو السبيل الأنجع في إحداث تحسين الممارسات المهنية.

·         "النمو الهادف لا يمكن أن يحصل إلا من خلال التركيز على التغيير الذي يبدأ من الداخل وينطلق نحو الخارج."[5]

·         "دلت الدراسات التي أجريت حول جهود التغيير أن مصير البرامج والأفكار الجديدة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالفرص المتاحة للإداريين والمعلمين لتعلم الأفكار وتجريبها وتكييفها وفق إطارها المحلي. ودون هذه الفرص تتلاشى الابتكارات عندما تتوقف الأموال وتنتهي ضغوط التطبيق."[6]

2.   خصائص التعلم التحويلي

    لقد سبق الإشارة إلى أن ميزيرو شيّد نظرية التعلم التحويلي انطلاقا من دراساته لتعلم الراشدين. وظل ميزيرو يقيم علاقة متينة بين نظريته والأندراغوجيا Andragogy. واعتبر أن التعلم التحويلي إسهام نظري في هذا المجال. وعليه فقد انطبعت النظرية بكثير من خصائص الأندراغوجيا. ومعلوم أن تعليم الكبار يتسم بالصفات التالية[7]:

·       التعلم عند الكبار هو فعل إرادي voluntary.

·       التعلم عند الكبار ينحو منحى جماعيا وتعاونيا collaborative.

·       الكبار هم الذين يوجهون أنفسهم في التعلم. Self-directed Learning

·       يولي الكبار أهمية بالغة لأساليب التعلم ويتفاعلون مع الأسلوب الذي يناسبهم.

·       إذا كانت الفروقات الفردية حقيقة واقعية بين المتعلمين الناشئين، فإن تلك الفروقات تزداد مع التقدم في السن.

·       حافز التعلم عند الكبار مرتبط بمدى تلبية التعلمات لحاجياتهم وانتظاراتهم.

·       الكبار يتعلَّمون الأشياء الجديدة التي يُمكن رَبْطها بخِبراتهم السابقة.

·       الكبار يتعلَّمون بشكلٍ أحسنَ، عندما يكون لهم بعض التحكُّم في بيئة التعلم والتكوين.

·       الكبار لا يَقبلون أفكار وخِبرات الآخرين بسهولة.

·       الكبار ليس لهم المقدرة على الإنصات السلبي لمدة طويلة.

·       الكبار يتعلَّمون بالتطبيق والمشاركة.

يضاف إلى الخصائص السابقة بعض الخصائص التي يتميز بها التعلم التحويلي[8]:

§         نظرية التعلم التحويلي هي تأمل ممارس.

§         هي نظرية من أجل التغيير. For change

§         يأخذ التعلم التحويلي مركزا جوهريا في تعلم الكبار والتعليم المهني.

§          Transformative learning is voluntaryالتعلم التحويلي عمل إرادي.

§         التعلم التحويلي ذاتي التوجيه Transformative learning self-directed.

§         تأمل ذاتي نقدي critical self-reflection.

§         يأتي التعلم التحويلي نتيجة خبرة مستفزة أو تجربة رجة provoked by an experience.

§         عبارة عن محاولة حل مشكلة  problem solving.

§         التعلم التحويلي يعطي معنى للتجارب، ويضع الافتراضات القبلية موضع مساءلة.

§         التعلم التحويلي يقود إلى تغيير الإدراك الذاتي transformative learning leads to a changed self-perception.

§         التعلم التحويلي كأسلوب تعلم واع وقصدي وواضح.

§         الخطاب Discourse والحوار عنصرين مهمين ومركزيين في عملية التحول. يولي ميزرو أهمية بالغة للخطاب في نظرية التعلم التحولي. فمن المهم محاورة الآخرين لاختبار فرضياتنا ومعتقداتنا ووضعها موضع تأمل ومساءلة ونقد. الدور الأساس للخطاب (حوار، مناقشة، قصة، حكاية)

§         تعتمد النظرية على المفاتيح التالية: التأمل الذاتي والتأمل النقدي للذات والخطاب.

3.   مبادئ النظرية:

سيرورة التعلم التحويلي والخطوات العشر

وصف ميزيرو سيرورة التعلم التحويلي من خلال عشر مراحل مندمجة:

1)    المرور بتجربة مربكة تعاش كمعضلة. Experiencing a disorienting dilemma

2)     مساءلة الذات من منظور نقدي Undergoing self-examination.

3)    إجراء تقييم نقدي للافتراضات الداخلية والشعور بالاستلاب الاجتماعي a critical assessment.

4)    التواصل واستلهام التجارب المماثلة للآخرين. وهو ما يؤدي إلى إدراك أفضل للمشكلة experiences of others.

5)    استكشاف خيارات لطرق جديدة في الفعل والتدخل new ways of acting.

6)    بناء الكفاءة والثقة بالنفس Building competence and self-confidence.

7)    تخطيط مسار التدخل والعمل على تصحيح الوضع Planning a course of action.

8)    اكتساب المعرفة والمهارات اللازمة لتنفيذ مسار عمل جديد Acquiring the knowledge and skills.

9)     تجربة أدوار جديدة وتقييمها Trying out new roles.

10)          الاندماج في المجتمع بمنظور جديد Reintegrating into society with the new perspective.

4.   نظرية التعلم التحويلي وتغيير المنظور المهني

     ترى لين نورتون Lin S. Norton أن مسألة تغيير المنظور المهني ليست هينة وتتطلب إرادة صلبة للتغيير وتستلزم وقتا طويلا. ففي الوقت الذي يعبر فيه الأساتذة عن تذمرهم من فشل طرقهم المعتادة في تحفيز المتعلمين أو فشلهم في تحقيق أهداف التعليم... نراهم يصرون على اتباع نفس الطرق دون التفكير في ضرورة البحث عن البدائل. وقد دلّت الدراسات على وجود نوع من مقاومة التغيير الذاتي... (Norton, 2009, pp. 28-29)

    وتستند نورتون إلى نظرية التعلم التحويلي Transformative Learning التي تؤكد على أن التعلم يساعد على مساءلة ونقد الافتراضات ووجهات النظر الخاصة التي لم تعد تلائم الواقع الذي نعيش فيه. ويتم ذلك على مستويين: مستوى الأفكار والمشاعر والقيم من جهة، ومستوى الإطار الفكري الذي يؤسس لمنظورنا من جهة ثانية. وعليه فالفرد يعيد النظر في رؤيته للعالم عندما لا تفلح في مواجهة التجربة جديدة. وبالتالي فالتعلم التحويلي هو تحوّل في بنية التفكير والفعل لحل المعضلات التي تواجه الأفراد في الحياة. وعلى المستوى المهني فإن التأمل الذاتي في الممارسات من خلال شبكة نقدية يساعد على الوعي بضرورة تغيير المنظور المهني. وهو ما تسميه الباحثة التأمل كتغيير للمنظور المهني: Reflection as transformation of professional perspective. وبعبارة أوضح، إن التعود على نمط معين من الممارسة يكسبها الترسّخ والتجذّر مما يفوّت فرصة التحقّق من نجاعتها. في حين يمكّن إخضاع الممارسة المهنية للتأمل، ووضعها على مسافة نقدية، من رؤية أعطاب المنظور ويفسح المجال أمام التغيير والتجويد؛ وهذا ما يجسّد غاية البحث التدخلي.

وفي هذا السياق وضعت ساره غرافيت Gravett ثماني خطوات للتحول التعلمي (Gravett, 2004, pp. 260-261):

1)    المشكلة: في البداية، يحتاج التحول التعلمي إلى زناد (مشكلة/قضية) يجعلنا على وعي بأن الطرق التي اتبعناها سابقا، في التفكير والممارسة، لم تعد ملائمة للتعامل مع القضية أو المشكلة التي تواجهنا.

2)    القلق: إن هذه الوضعية تسبب الشعور بعدم التوازن أو القلق.

3)    الافتراضات السابقة: يلجأ الإنسان إلى افتراضاته المسبقة لتفسير المواقف الجديدة. والفشل في التلاؤم مع وضعية جديدة معناه وجود خلفيات ذهنية ونفسية مسبقة تقاوم التغيير. وعليه فإننا نسلّم بوجود افتراضات متمفصلة حاضرة بقوة بشكل لا واع. 

4)    المساءلة: ينتج عن ذلك تساؤل وفحص لادعاءاتنا أو افتراضاتنا، بما في ذلك مصدرها ونتائجها ولماذا هي مهمة. وينجم عن دلك كله النقد الذاتي والاستعداد النفسي للتغيير.

5)    البحث عن البدائل: التزام خطاب تأملي وبنائي يمثل نمطا من وجهات النظر البديلة التي يجري فحصها ومناقشتها.

6)    المراجعة: مراجعة الافتراضات، والادعاءات، والمنظورات، لتمييزها وتبريرها.

7)    التدخل: انبثاق التدخل انطلاقا من المراجعات. 

8)    تغيير المنظور المهني: بناء الكفايات والثقة بالنفس في أدوار جديدة وفي إطار علاقات جديدة.

خطوات التحول التعلمي، مطبقة على مثال:

  1. المشكلة: لا يحضر الطلبة للمحاضرات التي خطط لها الأستاذ بعناية ودقة. يلاحظ الأستاذ عدم حافزية الطلبة وغياباتهم المتكررة.
  2. الشعور بعدم التوازن: "هل محاضراتي مملة؟ هل هي فقيرة في المضامين المعرفية؟" [يخاطب نفسه.]
  3. التسليم بافتراضات: "علي أن أكثف المضامين المعرفية وأعمقها في المحاضرات..." نلاحظ هنا أن الأستاذ يهرول إلى تفسير الموقف بناء على افتراضاته وأحكامه المسبقة.
  4. التساؤل والفحص: "ولكن هل المضامين المعرفية هي هدف المنهاج؟ ألا أسقط في المقاربة المضامينية التقليدية المتجاوزة؟" هنا تكمن أهمية التفكير النقدي الذي يخلصنا من الأحكام المسبقة.
  5. الخطاب التأملي والبنائي: مناقشة الأمر مع الزملاء. وقد اقترح بعضهم تطعيم المحاضرات ببعض الأساليب البيداغوجية المعاصرة كمنهجية الوضعية-المشكلة مثلا. "لقد شعرت، في البداية، بشيء من التوتر تجاه المقاربات الجديدة. ولكن الآن أصبحت أكثر اقتناعا بها."
  6. مراجعة الافتراضات: "لقد أصبحت أنظر إلى المحاضرات بطريقة مختلفة. وقد قمت بمراجعتها وإعادة بنائها وفق مقاربة التعليم-الميسّر."
  7. انبثاق التدخل: "أنا الآن أبني محاضراتي وفق منظور تعليمي مغاير، من شأنه مساعدة الطلبة على بناء تعلماتهم بأنفسهم، عوض إلقاء محاضرات يستمعون إليها بدون تفاعلهم. وأصبحت أبحث عن مقاربات أخرى أكثر ملاءمة لاحتياجات الطلبة."
  8. بناء الكفاية: "أنا الآن أكثر اقتناعا بالمنظور الجديد وعلى استعداد لتبريره بشكل عقلاني مع انفتاحي على أفكار أخرى."

5.   توظيفها من خلال البحث التدخلي

    يمكن تعريف البحث التدخلي على النحو التالي: "البحث التدخلي هو نوع من البحث الذي يسمح للممارسين، أينما وجدوا، بدراسة وتقييم عملهم."[9] وكما يفيد التعريف فالبحث التدخلي له علاقة مباشرة بالبحث العلمي المنهجي في إشكالات وعوائق الممارسة المهنية. وفي تعريف آخر، يشار إلى البحث التدخلي على أنه "منهجية معروفة تمكن الممارسين في مجموعة من السياقات المهنية من حل المشاكل وتحسين ممارساتهم."[10] وعليه فنقطة التقاء نظرية التعلم التحويلي والبحث التدخلي تكمن في القصدية العملية. فكلاهما ينتهج العلم سبيلا من أجل العمل والتغيير وتحسين الممارسات. وهذا ما يسمح بمحاولة إدماج نظرية التعلم التحويلي ضمن سيرورة البحث التدخلي.

   فسيرورة البحث التدخلي تتحدد من خلال مجموعة من المراحل المنهجية:

1.    تحديد المشكلة: يتعلق الأمر بمشكلة واقعية وذات أهمية وتمثل عائقاً في الممارسة.

2.    التخطيط: وضع خطة لمعالجة المشكلة.

3.     المعطيات: جمع المعطيات وتحليلها وتفسيرها.

4.    التدخل: إنجاز التدخل الذي أفضت إليه استنتاجات البحث.

5.    الملاحظة: ملاحظة أثر التدخل ومعاينة نجاعة الحل المقترح.

6.    التأمل والتقويم: تحليل وتقييم مخرجات العملية.

7.     حل المشكلة: الاستفادة من البحث التدخلي من أجل حل المشكلات وتحسين الممارسة.

     عندما نتأمل هاته الخطوات سنجد أنها تتقاطع مع سيرورة التعلم التدخلي. ويمكن القول إن الرهان على البحث التدخلي في الحقل التربوي هو رهان مزدوج: أولا، البحث من أجل المعرفة، وثانيا، التدخل العملي من أجل تجويد الممارسات المهنية. فالبحث يقود إلى الوعي بأبعاد العملية التعليمية وتعقيداتها، ويمكّن أيضاً من التبصر الذاتي بالممارسات والاختيارات وشروط الفعل. أما التدخل فإنه تفعيل عملي للحلول المقترحة قصد حل المشكلات أو تبنّي مقاربات مغايرة تروم تحسين الممارسات. وفي كلتا الحالتين فإننا نحقّق أهدافاً ثلاثة وهي: البحث، والتدخل، وتحسين الممارسة.

ولكن القيمة المضافة لنظرية التعلم التحويلي هي توجيه الانتباه إلى الذات وتجربتها وافتراضاتها التي قد تكون عائقاً أمام إدراك أمثل للواقع. فالتعلم التحويلي يعني أن الوعي النقدي الذي يصطدم بتجربة-معضلة هو الذي من شأنه إحداث تحول باطني على مستوى البنية العميقة للذهن للتخلص من عاداته الذهنية الراسخة والبالية من أجل تبني منظور جديد يفرضه الواقع.

     وعليه فإذا كان البحث التدخلي يولي أهمية بالغة لما يمكن ملاحظته ورصده وجمع معطيات كمية وكيفية بصدده، فإن التعلم التحويلي ينبّه على ضرورة مراجعة الافتراضات والأطر المرجعية (الفكرية والشعورية واللاشعورية) التي نرى من خلالها الواقع ونؤوّله. لذلك يلعب الوعي النقدي دوراً محوريا في التعلم التحويلي لأنه هو الذي يسائل أفكارنا وتصوراتنا واعتقاداتنا حول الأشياء والأحداث والعالم.

    وبالتالي، فإننا نقترح نظرية التعلم التحويلي كمنظور نقدي لتحسين ممارساتنا المهنية نظراً لقوتها التبصرية ولبعدها النقدي الذاتي. كما أنها لا تنظر إلى العلم في استقلال عن العمل. فالعلم طاقة من أجل التغيير. ونقترحها كذلك لأنها تناسب السياق المهني. وهي لا يمكن تفعيلها إلا من خلال التواصل والحوار وتبادل الخبرات والتجارب مع الآخرين. وأخيراً، نرى أن نظرية التعلم التحويلي والبحث التدخلي يمكن أن يتكاملا وأن يشكّلا معاً ترسانة منهجية ونقدية تسهم في تجويد الممارسات المهنية طيلة المسار المهني. فهما معا وجهان لعملة واحدة.  

6.   خاتمة: نقد وآفاق

     عبّر النقاد عن مجموعة من الملاحظات والانتقادات التي طالت نظرية التعلم التحويلي خصوصا في نسختها الأصلية مع مؤسّسها جاك ميزيرو. ويمكن إجمال تلك الملاحظات كما يلي:

  • انعدام الانتباه إلى عوامل السياق الثقافي والعواطف.
  • لا تجيبنا النظرية عن كيفية تحول العواطف أثناء عملية التعلم التحويلي.
  • عدم قدرة المنخرطين في عملية التعلم التحويلي على التأمل في سيرورة التحول.
  • التركيز المفرط على التفكير العقلاني، وإهمال الأبعاد الأخرى للشخصية: العاطفة، الخيال، الحدس، الحس...
  • الانتقائية والاختزالية في أعمال ومفاهيم نظرية هابرماس.
  • تعتبر نظرية التعلم التحويلي نظرية من أجل التغيير، لكنها تركز على التغيير الفردي وتهمل التغيير الاجتماعي. not paying enough attention to social change

     لقد شكّلت نظرية التعلم التحويلي براديغم منهجي عملي يحوّل العلم من إطار معرفي نظري إلى نشاط حيوي للعمل والتغيير. فالتعلم الذي لا يسهم في تغيير أفكارنا واعتقاداتنا ووجداننا يظل بحثا بلا جدوى وميكانيزمات عاطلة عن العمل. وقد جاءت جهود جاك ميزيرو لتفتح آفاقاً واعدة في حقل التعليم من أجل التغيير. وهناك قولة مشهورة تقول:"Learning to think differently" تعلم التفكير بشكل مختلف. وهذه القولة يمكن أن تفيد أيضا أن التعلم يساعد على تنمية التفكير وتوجيهه بشكل مختلف. والتعلم التحويلي يضيف بعدا جديداً يتمثّل في العودة إلى الذات ومساءلة أفكارها وافتراضاتها ومشاعرها حينما لا تفلح في حل مشكلات الواقع. وهذا البعد التأملي النقدي الباطني يمدّ جسور البحث خارج الذات من خلال التواصل والتبادل مع الآخر. وفي هذا يكمن الرد على من يتهم النظرية بإهمال البعد الاجتماعي؛ فميزيرو لم يهمل المجتمع، بل إنه يرى أن تغيير الأفراد هو مفتاح تغيير المجتمع. وتغيير الأفراد ليس في ممارساتهم وسلوكهم، بل فيما يوجّه تلك الممارسات وهو البنية الذهنية العميقة. فالتعلم التحويلي هو إحداث التغيير في الذهنيات من أجل تغيير الممارسات.

 

 المراجع:

·        أليسون زمودا وآخرون، التغيير داخل المدارس، ترجمة وليد شحادة، دار العبيكان للنشر، السعودية، ط 1، 2009م.

·        فوريستر كولين، و ايبيرجسي ريتشل. البحث الإجرائي للمعلمين الجدد، ترجمة خديجة فرحان الحميد، دار كنوز المعرفة، عمان، ط أولى. 2019م.

 

·         Jack Mezirow, (1991) Transformative Dimensions of adult Learning, Jossey Bass Publishers, San Francisco, USA.

·         Malcolm S. Knowles (and others), (2015), The Adult Learner, Routledge, New York, Eighth edition.  

·           Mcniff Jean, Whitehead Jack. (2006).  All you need to know about action research. London: SAGE publications.

·          Patricia Cranton, (2016), Understanding and Promoting Transformative learning, Stylus Publishing, USA. 

·         Sarah Gravett, (2004), Action research and transformative learning in teaching development, Educational Action Research.

To link to this article: http://dx.doi.org/10.1080/09650790400200248

 

 



[1] Patricia Cranton, (2016), Understanding and Promoting Transformative learning, Stylus Publishing, USA.  P 27

[2]  Sarah Gravett, (2004), Action research and transformative learning in teaching development, Educational Action Research, 12:2, 259-272, P 260.

To link to this article: http://dx.doi.org/10.1080/09650790400200248

[3] Jack Mezirow, (1991) Transformative Dimensions of adult Learning, Jossey Bass Publishers, San Francisco, USA, P 124.

[4] Patricia Cranton, (2016), Understanding and Promoting Transformative learning, Stylus Publishing, USA.  P 18.

[5] أليسون زمودا وآخرون، التغيير داخل المدارس، ترجمة وليد شحادة، دار العبيكان للنشر، السعودية، ط 1، 2009م، ص 15.

[6] أليسون زمودا وآخرون، التغيير داخل المدارس، ترجمة وليد شحادة، دار العبيكان للنشر، السعودية، ط 1، 2009م، ص 19.

[7] أنظر:

Patricia Cranton, (2016), Understanding and Promoting Transformative learning, Stylus Publishing, USA.  P 14

قارن:

Malcolm S. Knowles (and others), (2015), The Adult Learner, Routledge, New York, Eighth edition. P 31.

 

[8] Patricia Cranton, (2016), Understanding and Promoting Transformative learning, Stylus Publishing, USA.  P  35

 

[9] Mcniff Jean, Whitehead Jack. (2006).  All you need to know about action research. London: SAGE publications. P 7.

 

[10] فوريستر كولين ، و ايبيرجسي ريتشل. (2019م). البحث الإجرائي للمعلمين الجدد (الإصدار ط أولى). (خديجة فرحان الحميد، المترجمون) عمان: دار كنوز المعرفة. ص 17.

  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تعليقاتكم وتفاعلاتكم مع المقالات يحفزنا ويثري الصفحة، فلا تبخلوا علينا بلمساتكم واتركوا أثرا لمروركم الكريم

تأملات الامبراطور الفيلسوف ماركوس أورليوس

                                                                                             د محمد أعراب                             ...